الحلبي

584

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

صلاة المغرب « فلم يزد فيها ركعتان بل ركعة فصارت ثلاثة لأنها وتر النهار » أي كما في الحديث ، فتعود عليه بركة الوترية « إن اللّه وتر يحب الوتر » والمراد أنها وتر عقب صلاة النهار « وتركت صلاة السفر فلم يزد فيها شيء » أي في غير المغرب ، هذا هو المفهوم من كلام عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، وهو يفيد أن صلاة السفر استمرّت على ركعتين أي في غير المغرب ، أي وحينئذ يلزم أن يكون القصر في الظهر والعصر والعشاء عزيمة لا رخصة ، ولا يحسن ذلك مع قوله تعالى فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [ النساء : الآية 101 ] . وفي كلام الحافظ ابن حجر : المراد بقول عائشة « فأقرت صلاة السفر » باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف ، أي لأنه لما استقرّ فرض الرباعية خفف منها أي في السفر لأنه استقرّ أمرها بعد قدومه صلى اللّه عليه وسلم المدينة بشهر أو بأربعين يوما ، ثم نزلت آية القصر في ربيع الأوّل من السنة الثانية إلا أنها استمرت منذ فرضت ، فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة . وقيل فرضت أي الصلوات الخمس في المعراج أربعا ، إلا المغرب ففرضت ثلاثا ، وإلا الصبح ففرضت ركعتين ، أي وإلا صلاة الجمعة ففرضت ركعتين ثم قصرت الأربع في السفر ، أي وهو المناسب لقوله تعالى فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [ النساء : الآية 101 ] ومن ثم قال بعضهم : إن هذا هو الذي يقتضيه ظاهر القرآن وكلام جمهور العلماء . ويمكن أن يكون المراد من كلام عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها فرضت ركعتين بتشهد ثم ركعتين بتشهد وسلام . وفيه أن هذا لا يأتي في الصبح والمغرب . وقال بعضهم : ويبعد هذا الحمل ما روي عنها كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي أي الصلوات الخمس التي فرضت بالمعراج بمكة ركعتين ركعتين ، فلما قدم المدينة أي وأقام شهرا أو عشرة أيام فرضت الصلاة أربعا أو ثلاثا وتركت الركعتان تماما أي تامة للمسافر . وعن يعلي بن أمية ، قال « قلت لعمر بن الخطاب فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ [ النساء : الآية 101 ] وقد أمن الناس ؟ قال عمر : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، فقال : صدقة تصدق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » أي فصار سبب القصر مجرد السفر لا الخوف . وهذا قد يخالف ما في الإتقان « سأل قوم من بني النجار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا رسول اللّه إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي ؟ فأنزل اللّه عز وجل وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [ النّساء : الآية 101 ] ثم انقطع الوحي ، فلما كان بعد ذلك غزا النبي صلى اللّه عليه وسلم فصلى الظهر ، فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه